السيد علي الحسيني الميلاني
114
نفحات الأزهار
المحمود المذكور كان على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ، وكان مولعا بعلم الحديث ، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع ، وكان يستفسر الأحاديث ، فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي رضي الله عنه ، فوقع في جلده حكة فجمع الفقهاء من الفريقين في مرو والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر ، فوقع الاتفاق على أن يصلوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وعلى مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه ، لينظر فيه السلطان ويتفكر ويختار ما هو أحسنهما ، فصلى القفال المروزي - وقد تقدم ذكره - بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة ، وأتى بالأركان والهيئات والسنن والآداب والفرائض على وجوه الكمال والتمام وقال : هذه صلاة لا يجوز الإمام الشافعي دونها رضي الله تعالى عنه . ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة رضي الله عنه ، فلبس جلد كلب مدبوغا ، ثم لطخ ربعه بالنجاسة ، وتوضأ بنبيذ التمر ، وكان في صميم الصيف في المفازة ، واجتمع الذباب والبعوض ، وكان وضوئه منكسا منعكسا ، ثم استقبل القبلة وأحرم بالصلاة من غير نية في الوضوء وكبر بالفارسية ، ثم قرأ آية بالفارسية دو برك سبز ، ثم نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع ، وتشهد وضرط في آخره من غير نية السلام ، وقال : أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة . فقال السلطان : لو لم تكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك ، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين ، فأنكرت الحنفية أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة ، فأمر القفال بإحضار كتب أبي حنيفة ، وأمر السلطان نصرانيا كاتبا يقرأ المذهبين جميعا ، فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفال ، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة وتمسك بمذهب الشافعي رضي الله عنه . إنتهى كلام إمام الحرمين . وكانت مناقب السلطان محمود كثيرة ، وسيرة من أحسن السير ، ومولده ليلة عاشوراء سنة إحدى وستين وثلاثمائة ، وتوفي في شهر ربيع الآخر وقيل حادي عشر